ن يحاصرون غزة لأنها تتعفر ببارود المقاومة الباسلة، وترفض طلاء وجهها المجاهد بمساحيق روما الجديدة، وتأبى أن تدلق على جسدها المتمرد العطر الباريسي. تتعالى على الخدر المعتق تحت مسامات الجلود السميكة.. غزة.. تعاند الحصار.. تستحثُّ الشرف المتخثر في عروق الرجال.. وستظل تحارب الحصار حتى تنكسر عزائم المحاصِرين والمتواطئين.. بينها وبين زرقة المتوسط ميثاق وعهد غليظ.لن تعتذر.. لن تقال.. ولن تستقيل؛ لأنها تدرك أن حلمها أكبر من يومها؛ ولأنها تعي أن حرارة عزها سيفجر شرايين الحلم الكبير الذي لا يتسع له فضاء الخارطة العربية.لن تعتذر، وستبقى تحت الحصار تستنبت سنابل العزة وتنمي مشاتل الكرامة، ولن تركع لقيصر روما الجديدة، ولن تسجد إلا لمن قدّر واختارها عاصمة الكرامة في خارطة العروبة الغافية على سرر الانتظار.لن تعتذر.. لأن المدائن الكنعانية لا تعتذر حين الحصار، ولكنها تلم ضفائرها تحت جنح الليل.. تنتزع دقيقها وبارودها عبر ظلمة الأنفاق..كل شيء فيها يأبى الاعتذار.رملها الذهبي المتعانق مع موجات المتوسط الهادرة.. كِسَر الخبز الملقاة على حواف أزقة مخيماتها.. وضفة الجرح رغم ابتعادها عن ضفتها الأخرى في أجساد الضحايا.. لن تعتذر.لن يعتذر لون الدم المنهمر في وادي الجرح المتدفق ليل نهار.. وتأبى ذلك كل أشلاء الضحايا.لن ينكسر فضاؤها.. شمسها.. وقبة سمائها.. سمكها وسردينها و"مواصيها".. وصفرة البرتقال ستبقى تتلألأ في "بياراتها" بأشجارها المنتصبة كقامات الشهداء.. لن يعتذر آخر مولود فيها قبيل انفكاك الحصار.وغزة لن تعتذر.. لأنهم هم سيعتذرون.. لبسمات الأطفال الأبرياء، وغمازاتهم الشاحبة جراء الحصار..غزة تدرك أن الضمائر بعضها ينام مقهوراً تحت الصفيح الصدئ والبعض الآخر يتقلب بين ضوعة العطور وعقود اللؤلؤ المسترخية فوق جيوب الحسان.وتعلم أن نخوة الرجال معلبة في صدورهم كسردين "قد انتهى تاريخه"..وتشعر ببريق الأعين من مليار ونصف المليار مسلم يلامس سياجها المحيط بسجنها الكبير المفروش بالرمل المعجون بعبق الشهداء، وفي فضاء تعلوه شمس جريئة في النهار، وقمر متمرد في الليل.لكنها لن تنتظرهم خلف جدار الصمت.. لن تستصرخ ضمائرهم التي لم تعد تفيق إلا ما رحم ربي، ولن تبكي كرامتهم الحبيسة بين علب الجدران في غابات الإسمنت.ورغم ذلك أسألها: هل إذا طال الحصار يا غزة، ستستسلمين؟ينتفض الحرف من تحت قلمي ينهرني، لا تسأل؟لا تسأل، حتى لا تسمعك غزة تشكك في عنفوانها، ويذكرني الحرف من قلمي ؛ إنها المدائن الكنعانية حين تحتضن قرآن ربها لا تعرف إلا الانتصار.إذن لن أحزن عليها؛ لأن غزة فوق الحزن، وتتقن فقه الكبرياء على الجرح، ولن أبكيها؛ لأنها لا ترضى دموع الرجال بنكهة نسائية..ولن تنعى غزة "نخوة المعتصم"، ولن تدفنها في مقابر شهدائها؛ لأن غزة ذاتها ستستنسخ نخوة المعتصم من جديد لتحملها عبر الريح الغربية إلى العواصم التي تغفو عند مشرق الشمس.إنها يا سادة الانتظار.. غزة المؤمنة التي تعتمد على ربها العظيم الذي لا يعظمه شيء، ذي الجبروت الذي يقصم ظهور الجبابرة، وذي الملكوت الذي يملك الأشياء والأقدار والمصائر، القادر على فك حصارها.يا رب في ملكوتك الأعظم، أسألك فك أسر عاصمة العزة والكرامة.. كن مع أهلها، أنزل عليها من رحماتك، وأفض عليها من بركاتك.مدينتي الحبيبة..في قلبي نهرٌ يزخر بالغضب، وعلى ضفتيه ينتصب الشهداء.. لكنني أتلعثم بين يديك كطفل صغير.غزة.. أنا أعتذر من هذا الفضاء الأندلسي المنكسر.. لا أملك سوى هذه الحروف، أتقدم بها بين يدي عنفوان جرحك، وأعلم أنها لا تكفي حتى دمعة في مآقي طفل يصارع الجوع في أزقتك.غزة.. اعذريني، حاولت أن أفعل شيئاً غير الانتظار
الثلاثاء، 29 يناير 2008
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق